الأحد، 25 ديسمبر 2016

25 سيرة سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم


رمضانيات
الحلقة 25
سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

حلقات يكتبها سامي الشرقاوي
اجتماع عائلي حول مائدة رمضان
الجميع بانتظار آذان المغرب يرفع لوقت الصلاة والافطار
يتسامر الصائمون حول الطاولة فيبدأ كبير العائلة كلامه

سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

الأب: حديثنا اليوم ان شاء الله عن سيرة خير الانام وخاتم الانبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حبيب الله الذي ارسله رحمة للعالمين، بالمؤمنين رؤوف رحيم. هو أحمد طه الرسول الامّي الذي انزل عليه القرآن الكريم، هدى للناس، وهو الشريف العفيف الامين، محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب، صاحب الشفاعة يوم الدين. فصلاة الله وسلامه عليه وعلى آل بيته الاكرمين وعلى أصحابه المكرمين وعلى المؤمنين والمؤمنات أجمعين.

الأم: وقد توقفنا بالامس عندما قال بحيرى لأبي طالب ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت، لأضمروا له شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم. فخف راجعا بابن أخيه إلى مكة، حيث شبّ صلى الله عليه وآله وسلم بعناية الله تعالى فكان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأعظمهم أمانة، وأمنعهم عن الفحش والأخلاق حتى عرف في قومه بالصادق الأمين.  

الأب: وسمعت به خديجة بنت خويلد الأسدية وكانت امرأة ذات حسب ونسب، وذات شرف ومال، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا، فقبل وخرج في مالها، ومعه غلامها ميسرة حتى وصلا إلى بلاد الشام. وعندما عادا إلى مكة، حدّث ميسرة خديجة رضي الله عنها، عن قول الراهب نسطور الذي التقاهما واخبره بما سيكون لمحمد من شأن عظيم، وما رأى من إظلال الملكين إياه طوال السفر، فازدادت به إعجابا وثقة، وأعطته ضعف ما سمت له. وكانت خديجة رضى الله عنها، امرأة حازمة عاقلة، غنية جميلة، ومن أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفا وكان رجال قريش يتنافسون على خطبتها، وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة وبسيدة قريش، فلم تقبل أحدا منهم وكانت آنذاك تبلغ من العمر أربعين عاما، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ريعان الشباب. فنقلت اليه رغبتها بالزواج منه فتزوجها وأنجبت منه ستة أولاد، ذكران وهما القاسم وبه كان يكنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعبد الله الذي كان يلقب بالطاهر والطيب، وقد ماتا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأما البنات فهن  زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة الزهراء صغرى بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتي تزوجت من أحب فتى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه. وأما إبراهيم فهو من زوجته مارية القبطية، التي أهداها إليه المقوقس، ملك القبط في مصر ثم توفي إبراهيم قبل أن يبلغ العامين.

الابن: هل في موت ولديه حكمة الهية يا أبي؟ ولماذا حرمه الله من هذه النعمة؟

الأب: ومن يستطيع ان يجيب على هذا السؤال يا بني. ونحن لا نريد التحليل ولا التكهن ولا ابداء الرأي في هذه المسألة.

الأم: ذهبت خديجة ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وكان كاهنا نصرانيا عالما بالكتب السماوية، واخبرته ما سمعت من غلامها ميسرة فقال لها، لئن كان هذا حقا يا خديجة، فإن محمدا هو نبي هذه الأمة، وقد عرفت أن هذا زمانه.

الأب: ارادت قريش ترميم الكعبة بعد ان اصابها ضرر من سيل جارف. فتقاسمت الأعمال فيما بينها، وراحت كل قبيلة تبني في الموضع الذي خصص لها، حتى بلغ البنيان موضع الركن، فاختلفوا فيه واختصموا، كل قبيلة تريد أن تحظى بهذا الشرف الرفيع، الى ان اقرّوا أن يحتكموا الى أول من يدخل من باب المسجد فيقضي بينكم فيه، فكان أول داخل عليهم، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رأوه استبشروا وقالوا: هذا الأمين قد رضينا به. فلما وصل إليهم قصّوا عليه الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "هلم إلي ثوبا" فجاؤوا بثوب، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفتحه ثم وضع الحجر الأسود فيه ثم قال : "لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا" ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه، أمسكه رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ووضعه بيده الشريفة، ثم بنى عليه وكانت الكعبة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

الأم: ولمّا حان موعد بعثه منعت الشياطين عن السمع، وحجبت أخبار السماء عنها، وأبعدت عن المقاعد التي كانت تقعد فيها لاستراق السمع، ورميت بالشهب، فعرفت الجن، أن ذلك الأمر حدث لأمر خطير وحدث جلل. وتأهّب اليهود لعلمهم من التوراة، قرب مبعثه، وفرح رهبان النصارى بقرب مبعث أحمد بشارة سيدنا عيسى المسيح عليه السلام، في الإنجيل. وكان اسمه عند السريان المنحمنا وتعني باللغة العربية محمد. واسمه باللغة الرومية البرقليطس وتعني احمد. ولهذا فقد أكرم ملوك النصارى رسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكاد بعضهم أن يعلن إسلامه، لا لشيء إلا لعلم هؤلاء بأنه سيأتي من بعد عيسى عليه السلام نبي اسمه احمد.

الأب: عندما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعين سنة أخذ رب العالمين الميثاق على كل نبي بعثه قبله بالإيمان به، والتصديق له، والنصر له على من خالفه (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه. قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين). وكان الله قد حبب إليه الخلوة، واعتاد أن يعتكف في غار حراء يتفكر إلى أن كان شهر رمضان في ذلك العام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كعادته إلى غار حراء، فجاءه جبريل عليه السلام بأمر الله تعالى.

الأم: يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " فجاءني جبريل ، وأنا نائم ، بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ، قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتّني به أي غشاني وضمّني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت ما أقرأ ؟ قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال اقرأ، قلت: ماذا اقرأ ؟ فغتني به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ماذا أقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال (اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم). قال صلى الله عليه وسلم "فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني، وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتابا فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل يقول يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا أتقدم أمامي وما أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي. فانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة، وحدثتها بالذي رأيت، فقالت أبشر يا بن عم وأثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. والله لا يخزيك الله أبدا. ثم انطلقت خديجة إلى ورقة بن نوفل بن أسد، فأخبرته بأمر ما جرى لها والذي نفس ورقة بيده، فقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى عليه السلام وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعلنت إيمانها به، وآزرته على أمره. فبشرها ببيت في الجنة لا صخب  فيه ولا نصب.

الأب: كان أول الناس إيمانا بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم زوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم وجهه، وكان قد أخذه ليرعاه ويكفله، تخفيفا على أبي طالب الذي كان كثير العيال. فكان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه وأعمامه وسائر قومه. حتى عثر أبو طالب عليهما يوما وهما يصليان قال أبو طالب: يا بن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عم ، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم، بعثني الله به رسولا إلى العباد، وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه وأعانني عليه. فقال أبو طالب: يا بن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت.

الأم: ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو كان يقيم في كنف النبي وهحت رعايته، ثم أبو بكر أبي قحافة، الصدّيق رضي الله عنه، الذي أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأسلم على يديه: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام بن خويلد، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، الذي جاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت فيه كبوة ونظر وتردد، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة. ثم وفي أثناء الدعوة إلى الله وإلى الدين الجديد سرا، والتي دامت مدة ثلاث سنوات، دخل في الإسلام رجال جدد، منهم أبو عبيدة بن الجراح، الأرقم بن أبي الأرقم الذي أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره، مستخفيا مع أصحابه بعبادتهم، إلى أن أمره الله عز وجل بإظهار الدين، وعثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وسعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب، وأسماء بنت أبي بكر، وعسير بن أبي وقاص، أخو سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، و بلال بن رباح الحبشي وغيرهم وغيرهم.

الأب: كان المسلمون الأوائل من قبائل مختلفة، ولاقوا من العذاب والاضطهاد ما تشيب من هوله الولدان ، الأمر الذي هيأ لظهور الإسلام جهرا وأمام الناس أجمعين. وكان رسول الله قد استمر رسول الله بنشر الدعوة الإسلامية سرا، مدة ثلاث سنين، حتى فشا وانتشر ذكر الإسلام وشاع أمر المسلمين، وأخذ الناس يتحدثون بالإسلام وبرسول الإسلام، محمد صلى الله عليه وآله وسلم، إلى أن جاء الأمر الإلهي بالجهر بالدعوة، عندما أمر الله عز وجل رسوله، صلى الله عليه وآله وسلم، بأن يصدع بما جاءه منه، وأن يدعو الناس إلى الإسلام علانية يقول الله سبحانه وتعالى مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين).

الأم: ولما أظهر النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، دعوته الإسلامية وفشا أمره بمكة، كان أبو بكر وسعيد بن زيد وعثمان بن عفان يدعون إلى الإسلام سرا، وكان أبو عبيدة يدعو جهرا، وعندما أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، اجتمعا مع أبي عبيدة وأصبحوا يدعون إلى الإسلام جهرا، فغضبت قريش، وأظهروا العداء لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أما عمه أبو طالب فقال له امض إلى ما أمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين آبائي وأجدادي. وأما عمه أبو لهب فقال هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذه غيركم، فرد عليه أبو طالب قائلا: والله لنمنعه ما بقينا.

الأب: وبدأت حرب الاشاعات فقالوا انه مجنون وقالوا انه ساحر وقالوا انه شاعر. ثم بدأت حرب الترهيب والتعذيب خصوصا بالعبيد والفقراء الذين اعلنوا اسلامهم. ثم كانت حرب المقاطعة والتجويع.
ويمضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهمة عالية وعزيمة لا تلين، يظهر دين الله عز وجل ويدعو إليه. ثم اشتد الأمر بينه وبين المشركين، حتى تباعد الناس وتعادوا، وأكثرت قريش من التحريض عليه، وأضمروا له الشر. وضغطوا مرة ثانية إلى أبي طالب فقالوا له يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وأنّا قد عرضنا عليك أن تكف ابن أخيك عنا، وتمنعه من تسفيه أحلامنا وسب آلهتنا، وأنّا والله لن نصبر على هذا حتى يكف عنا، أو تتركه لشأنه حتى يهلك أحد الفريقين. فبعث إلى ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال له يا ابن أخي، إن القوم جاؤوني فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عمه ضعف وأنه لا بد خاذله فقال " يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته ". ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقام نحو الباب يريد أن يخرج فناداه أبو طالب وقال اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا.

الأم: ولجأت قريش إلى أساليب مختلفة، في محاولة منها لإسكات صوت الحق والإيمان، منها الاغراء بالمال والسلطة والسيادة على قريش، ورسول الله يقابلهم بالرفض والثبات على الايمان والمضي في نشر دين الله. وأخذ الإسلام ينتشر ويشيع بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء، وقريش تحبس من استطاعت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين. ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما يتعرض له أصحابه من الأذى والبلاء رق لحالهم وقال لهم : "لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه ". فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم، إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة ووفرارا إلى الله بدينهم. فكانت هذه الهجرة أول هجرة في الإسلام.

الأب: الى ان دخل عمر بالاسلام وقام يعلن اسلامه جهرا في احياء قريش ويتحدى الكفار. وبعد ان فشلت كل محاولات الترغيب والترهيب وقطع التواصل والتجويع، ايقنوا ان زمام الامور قد بدأ يخرج عن سيطرتهم، فقرروا قتل محمد واسكات صوته. وفي تلك الفترة اجتمعت الأحزان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتوفيت السيدة خديجة، وبعد أيام معدودة، توفي عمه أبو طالب بن عبد المطلب. فانتهز المشركون هذه الفرصة السانحة لينالوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليزدادوا من آذاهم له حتى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب.

الأم: خرج رسول الله إلى الطائف، علّه يجد نصيرا ومعينا في أهلها، وخرج معه زيد بن حارثة. فعرض عليهم ما جاء به، والتمس منهم العون والنصرة على نشر الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه. فكذبوه وسخروا منه وطردوه. فقام النبي، حزينا كئيبا وأقفل عائدا الى مكة، ولكنهم أغروا سفهاءهم وعبيدهم وصبيانهم، فخرجوا خلفه يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع الناس عليه، ومن ثم أخذوا يرمونه بالحجارة حتى أدموا رجليه وامتلأت نعلاه بالدم، وزيد مولاه يحاول أن يمنع الحجارة عنه، وتوغّلا في بستان اختبئا فيه من الناس . وعندما سكنت نفسه واطمأن قلبه، التجأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله عز وجل وتوجه إليه بهذا الدعاء: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ أإلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.

الأب: وتخفيفا من الله عز وجل على نبيه ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أرسل إليه جبريل عليه السلام الذي قال له إن الله أمرني أن أطيعك في قومك لما صنعوه بك إذا شئت أغرفتهم، وإذا شئت أطبقت عليهم الأخشبين. ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يرض أن ينتقم لنفسه، ولم يكن بما يتمتع من أخلاق رفيعة سامية، أن يدعو على قومه بل قال : " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ". ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحو مكة ولما أشرف على دخولها قال له زيد: كيف يا رسول تعود إلى مكة وقد خرجت منها طالبا العون من الثقيف والتي أشاعت خبرك وما لقيت فيها؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا" ثم طلب الجوار من بعض أهل قريش فرفضوا، إلا أن المطعم بن عدي النوفلي أجابه إلى ذلك، فوقف عند أركان البيت الحرام وقال : يا معشر قريش إنني أجرت محمدا ليبلغ رسالة ربه، فلا يهجه أحد منكم. فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه في مواسم الحج على القبائل العربية.

الابنة: اعانك الله يا رسول الله على هذه المشّقة والله لا يقدر ان يتحمّلها من البشر احد غيرك.

الابن: ومع ذلك تابع صلى الله عليه وسلم مهمته وبجرأة اكبر لانه راح يجهر بدعوته بين الناس في الاسواق وتوسّع في نشر الدعوة حتى صار يدعو كل من يزور مكة للحج او التجارة.

الأم: صحيح. فقد كان العرب يحجون الى الكعبة من كل حدب وصوب، وكانوا ينزلون في الأسواق التي تقام في أوقات معينة كسوق عكاظ وذي مجاز وذي المجنة، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينتهز فرصة قدوم العرب إلى هذه الأسواق، لينشر الدعوة فيما بينهم، إلى أن آمنت به قبيلتا الأوس والخزرج من سكان مدينة يثرب، الذين سمّوا فيما بعد بالأنصار. وكان يجاورهم في المدينة أقوام من اليهود يعرفون باسم : بني قينقاع ، وبني قريظة وبني النضير. وكان الخلاف بين الاوس والخزرج قد بلغ اوجه، فلما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإيمان رأوا في ذلك خلاصا مما هم فيه. وكانوا قد علموا من اليهود انه النبي المنتظر. فآمنوا بما جاء به. وواعدوه أن يرجعوا إليه، بعد أن عرض أمره على قومهم. وعندما وصلوا إلى المدينة كانت أخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سبقتهم، فدعوا أهلها إلى الإسلام حتى انتشر فيهم. وعندما حان الموعد المحدد، خرج من المدينة اثنا عشر رجلا بين خزرجي وأوسي فرحين مبتهجين بلقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي العقبة جددوا إسلامهم وبايعوه بيعة العقبة الأولي، على أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان، ولا يعصوه في معروف. ثم أن أهل المدينة عقدوا العزم على أن يذهبوا إلى أهل مكة ويدعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للانتقال إلى بلدهم، وبايعوه ان يحموه وينصروه وصافحوه على ذلك.

الأب: أراد الله عز وجل أن يخفف بعض أحزان رسوله، فجائه جبريل واسرى به الى بيت المقدس ليلا ثم عرج به الى السماء على ظهر البراق. ولما اخبر قريش بالامر اتهموه بالجنون وكذّبوه. ووقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه قائلا : والله اني أشهد أنه لصادق، وإني لأصدقه فيما أبعد من ذلك، ثم طلب المشركون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن يصف لهم بيت المقدس وكان بعضهم يعرفه، فوصفه لهم وصفا دقيقا، وأبو بكر رضي الله عنه يقول عن كل صفة وصفها : أشهد أنك رسول الله. عندئذ قالوا : أما النعت فقد أصبت فأخبرنا عن عير لنا قادم من الشام، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخبر القافلة التي يتقدمها جمل أورق، كما أخبرهم أنها ستصل يوم كذا مع طلوع الشمس.

الابنة: يقال يا أبي والله اعلم انه عندما بدأ بوصف الطرق الى القدس وموقع بيت المقدس، كان وكأنه يشاهد امامه فيلما تصويريا وينقل وقائعه لهم.

الأب: بالتأكيد ان تلك اللحظة كانت شديدة على رسول الله وهو جاهد ان يستجمع كل ذاكرته، ويجوة ان الله قد سهّل له الامر واعاد تصزير كل شيء امام عينيه، والله أعلم.

الأم: اشتد أذى المشركين وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالخروج إلى المدينة المنورة والالتحاق بإخوانهم من الأنصار. فخرجوا على دفعات خوفا من قريش وحذرا من أن تمنعهم من الهجرة. ومن بين الذين هاجروا إلى المدينة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي خرج بشكل علني، متوشحا سيفه حتى جاء وطاف حول البيت. ثم نادى : من أراد أن تفقده أمه، أو يجعل زوجه أرملة، أو ولده يتيما فليتبعني إلى هذا الوادى فإني مهاجر إلى يثرب.

الابن: الله عليك يا امير المرمنين ما اشجعك واقوى قلبك.

الأم: بل قل ايضا ما اقوى ايمانك وما اشد حبك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وخلت مكة المكرمة من المسلمين ولم يبق فبها إلا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وزيد بن حارثة وبعض المسلمين المستضعفين، ينتظرون الفرج من الله تعالى. ومكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في مكة ينتظر من الله جلّ جلاله الإذن بالهجرة.

الأب: أدركت قريش الخطورة التي تكمن وراء هجرة المسلمين إلى المدينة، وكثرة عددهم بدخول أهل يثرب في الإسلام. فحرصت على منع خروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعقدوا اجتماعا ليتشاوروا فيما يصنعون، فاجمعوا على قتله ورأوا أن يختاروا من كل قبيلة رجلا يعطوه سيفا صارما، ثم يعمد إليه الجميع فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه ويتفرق دمه في القبائل جميعا. ولكن الله تعالى أوحى اليه بمكيدة المشركين، ونزل جبريل اليه ناصحا ان لا يبيت تلك الليلة على فراشه.

الأم:  فلما كان الليل اجتمع المشركون أما باب دار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يرصدونه حتى ينام، فلما رآهم رسول الله قال لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه : نم على فراشي فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم. وخرج عليهم رسول الله فأخذ حفنة من تراب في يده، وجعل ينثر التراب على رؤوسهم، وهو يتلو هذه الآية (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون). فلم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب وهم مغيّبوا الذهن لا يشعرون به. ولما أخبرهم احد المارة أنه خرج من بينهم، اندفعوا يتطلعون، فلم يروا إلا عليا على الفراش ملتحفا ببرد رسول الله وهم يحسبونه انه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما كان الصباح قام علي رضي الله عنه، عندئذ قالوا : والله لقد صدق الذي حدثنا.

الأب: أدرك المشركون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نجا، فأرعدوا وأزبدوا وأعلنوا عن جوائز سخية، لمن يأتيهم بمحمد أو يدل على مكان وجوده. وكان صلى الله عليه وسلم قد انطلق إلى دار أبي بكر الصديق، وأخبره أنه أمر بالهجرة وطلب منه أن يصحبه، فجهّز أبو بكر راحلتين، واستأجر عبد الله بن أرقيط ودفع إليه الراحلتين، ثم واعداه عند غار ثور بعد ثلاث ليال، كما طلب أبو بكر رضي الله عنه من ابن عبد الله، أن يجمع أخبار مكة نهارا ثم يأتيه بها ليلا، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهارا ثم يأتيهما ليلا. أما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها فقد جعلت لهما طعاما، وضعته في قسم من نطاقها بعد أن قسمته نصفين فسماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات النطاقين.

الابنة: يقال انها كانت تحمل الطعام في نطاقيها وتذهب اليهما في الغار كل يوم وتتحمل تلك المشقة لتطمئن عليهما؟

الأب: صحيح جازاها الله كل خير. أما المشركون فقد جمعوا وانطلقوا يتبعون آثار أقدام رسول الله ،صلى الله عليه وآله وسلم، وصاحبه حيث وصلوا إلى الغار وانقطعت الآثار، فنظروا إليه وإذا بالعنكبوت قد نسج خيوطه على بابه، وبحمامتين قد بنتا أمام بابه عشا لهما. وأحس أبو بكر بالخوف على رسول الله، وهو يراهم ويسمع حوارهم، وأخذت عيونه تذرف الدموع، فسأله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن سبب بكائه، فقال أبو بكر : يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " يا أبا بكر فما ظنك باثنين الله ثالثهما " وفي هذا نزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم).

الابن: يا حبيبي يا الله ما ابدع عطفك على رسولك وما اوسع رحمتك.

الأم: مكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع صاحبه في الغار ثلاثة أيام، ولما سكن عنهما الناس أتاهما عبد الله بن أريقط بالركب وأنطلق بهما يتبعهم عامر بن فهيرة ليخدمهما في الطريق. وبعد رحلة شاقة مع صاحبه الصديق ابي بكر، وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مشارف يثرب. فانفرجت أسارير الأنصار وهرعوا حيث استقبلوه استقبالا يليق بمن نذر نفسه من أجل هداية قومه وانتشالهم من مستنقع الجهالة والعمى، وهم يرددون هذا النشيد الخالد – من يعرفه منكم؟

الجميع: طلع البدر علينا من ثنيات الـــوداع. وجب الشكر علينـــا ما دعــــا لله داع. أيها المبعوث فينـــا
جئت بالأمر المطـاع. جئت شرفت المدينــة مرحبا يا خــير داع.

الابنة: سبحان الله كيف حبب اهل المدينة برسول الله هذا الحب الشديد؟

الأب: فعلا يا ابنتي. فلم يحب احد احدا كما احب اهل المدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم!

الأم: عندما وصل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  المدينة كان له من العمر ثلاث وخمسون سنة ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري. ثم ركب ناقته وتابع سيره، وكان كلما مر بحي من أحياء الأنصار، طلب منه أهلها النزول والمقام عندهم، فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " خلو سبيلها، فإنها مأمورة " إلى أن أتت الناقة دار بني مالك بن النجار، فبركت على ارض يملكها غلامان يتيمان من بني النجار حتى استقرت في هذا المكان، عندئذ نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسأل عن الارض لمن؟ فقال له معاذ بن عفراء هي يا رسول الله لسهل وسهيل ابن عمرة، وهما يتيمان. فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن يبني في الارض مسجد، وذلك بعد ان أرضى صاحبيها اليتيمين، وساهم بنفسه في بناء المسجد ليرغب المسلمين في العمل، فعمل فيه المهاجرون والأنصار حتى أتموا بناءه. وقد أنزل الله سبحانه وتعالى آياته الكريمة في الثناء على الأنصار إذ يقول عز وجل (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم)

الأب: ولمدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أسماء عديدة مما يدل على زيادة شرفها وفضلها فمن أسمائها : المدينة وقد سماها بهذا الاسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند دخولها. ومن أسمائها طيبة وطابة وسميت كذلك لطهارة تربتها. ومن أسمائها الأخرى البحرة والدرع الحصينة ودار الهجرة وذات النخل ودار الإيمان والقرية والمحفوظة وغيرها من الأسماء. أما اسمها قبل مجيء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو يثرب وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن إطلاق هذا الاسم على المدينة المنورة، لانه يعني الفساد.

الأم: لما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة، بدأ بسن القوانين وفق الشريعة وبمشورة المؤمنين ومن اهل مكة والمدينة. فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود، وعرف الحلال والحرام، وتمكن الإسلام في قلوبهم. وأقرّ الاذان بعد رؤية عبد الله بن، ثم أمر أن يقوم بلال الحبشي ليؤذن بها، لما له من صوت قوي جميل. وكان المؤذن الآخر هو عبد الله بن أم مكتوم الفهري القرشي.

الأب: ثم أمر محمد صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، في خطوة توصف بأنها تهدف لإذابة العصبيات القبلية وترسيخ مبدأ التكافل الاجتماعي. فكان الأنصار يقتسمون أموالهم وبيوتهم مع إخوانهم من المهاجرين، بل وصل بهم الأمر أنهم كانوا يتوارثون بهذا الإخاء في ابتداء الإسلام إرثاً مقدما على القرابة. ثم امر محمد صلى الله عليه وسلم بصياغة وثيقة عرفت بدستور المدينة، كانت أشبه بوثيقة تحالف بين العشائر والطوائف المختلفة بداخل المدينة وتحدد حقوق وواجبات المواطنين فيها. ودُوّنَ هذا الدستور بشكل يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحرية، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم. كما نص على تحالف القبائل المختلفة في حال حدوث هجوم على المدينة، مع التأكيد على الاستقلال المالي للقبائل المختلفة.

الأم: بعد ذلك قام الرسول صلى الله عليه وسلم بتسع عشرة غزوة قاتل في ثمان منهن. ثم أمر أتباعه باتخاذ الاستعدادات لأداء مناسك العمرة في مكة. فتحرك معه قرابة 1400 من المسلمين. وحين سمعت قريش بتحركهم، بعثوا قوة مؤلفة من 200 فارس لوقفهم. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم اتخذ طريقا أكثر صعوبة وتفادى مواجهتهم، ووصل إلى الحديبية على مقربة من مكة. ثم أرسل عثمان بن عفان إلى قريش ليخبرهم أن المسلمين أتوا للعمرة وليسوا مقاتلين، وحينما تأخر في مكة سرت إشاعة بأنه قتل على يد قريش. فقرر محمد أخذ البيعة من الحجاج على قتال قريش فيما عرف ببيعة الرضوان. لكن وصلت أنباء عن سلامة عثمان، فاستمرت المفاوضات مع قريش وأسفرت عن توقيع معاهدة عرفت بصلح الحديبية، ونصت بنودها على عدم أداء المسلمين للعمرة ذلك العام على أن يعودوا لأدائها العام التالي، كما نصت على أن يرد المسلمون أي شخص يذهب إليهم من مكة بدون إذن، في حين لا يرد المكيون من يذهب إليهم من المدينة. واتفقوا أن تسري هذه المعاهدة لمدة عشر سنوات، وبإمكان أي قبيلة أخرى الدخول في حلف أحد الطرفين لتسري عليهم المعاهدة.

الأب: توّجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ومعه ألف وست مئة مقاتل من المسلمين في مطلع ربيع الأول من العام السابع الهجري، بعد ان شعر بخطرهم وعلم بمكائدهم، وأحاط محمد تحركه بسرية كاملة لمفاجأة اليهود. وقاتلهم حتى سقطت آخر حصونهم على يد سرية بقيادة علي ابن أبي طالب. فاتفق معهم محمد على أن يعطوه نصف محصولهم كل عام على أن يبقيهم في أراضيهم.

الأم: كما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم رسائل إلى العديد من الحكام في العالم، داعيا إياهم إلى اعتناق الإسلام. فأرسل رسله إلى هرقل الإمبراطورية البيزنطية (الإمبراطورية الرومانية الشرقية)، كسرى فارس، ومقوقس مصر وبعض البلدان الأخرى. وفي السنوات التي أعقبت صلح الحديبية، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قواته إلى الشمال فالتقوا مع القوات الرومانية في غزوة مؤتة، لكنهم انهزموا بسبب الفارق العددي الكبير.

الأب: ثم دخلت قبيلة خزاعة في حلف مع محمد فسرت عليها بنود الصلح، في حين تحالف أعداؤهم بنو بكر مع مكة. بعد الصلح بعامين شن بنو بكر غارة ليلية على خزاعة فقتلوا عددا منهم. وكانت قريش قد أعانت بني بكر بالسلاح وقاتل معهم جماعة منهم. فطلبوا المؤازرة من نبي الله صلى الله عليه وسلم، الذي بعث برسالة إلى مكة وعرض عليهم فيها خيارات ثلاثة: إما دفع دية القتلى بين قبيلة خزاعة، أو أن تتنصل أنفسهم من بني بكر وإنهاء تحالفهم معهم، أو اعتبار صلح الحديبية منتهيا. فأجابت قريش أنها لن تقبل سوى الشرط الأخير. ولكن سرعان ما أدركوا خطأهم وأرسلوا أبا سفيان لتجديد المعاهدة، وهذا ما تم رفضه من قبل محمد. وأمر محمد بتجهيز الجيش والتحرك نحو مكة. فوصله ومعه عشرة آلاف مقاتل، ونودي بمكة «من دخل منزله فهو آمن ومن دخل الحرم فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن». فدخل مكة بدون قتال، وأعلن عفوا عاما عن كل أهل مكة. واعتنق معظم أهل مكة الإسلام، صم قام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بتدمير جميع تماثيل الآلهة العربية بداخل الكعبة وحولها.

الابن: سبحان الله انه صلى الله عليه وسلم ليس نبيا ورسولا فقط، بل قائدا لامعا وسياسيا فذا.

الأم: صحيح يا بني. لقد كان صلى الله عليه وسلم كما وصفته تماما ولهذا نجح في مهمته ولهذا هو حبيب الله.

الأب: اذ لم يمض وقت قصير من فتح مكة حتى تحالفت قبائل هوازن وثقيف وبني هلال ضد المسلمين. والتقى الفريقان في غزوة حنين؛ وأشيع أن محمدا قتل، فبدأ المسلمون في الفرار والتراجع، لكن محمدا استطاع أن يعيد الثقة لجنوده وحول الهزيمة إلى نصر، وسرعان ما فر المتبقي من جيشي هوازن وثقيف إلى أماكن مختلفة. ثمم وقعت غزوة تبوك في أعقاب فتح مكة وانتصار المسلمين في الطائف، فوصلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبارا من بلاد الروم تفيد أنَّ ملك الروم وحلفاءه قد هيأوا جيشاً لمهاجمة الدولة الإسلامية قبل أن تصبح خطراً على دولته. فما كان من نبي الله عليه الصلاة والسلام إلا أن أرسل إلى القبائل العربية في مختلف المناطق يستنفرهم على قتال الروم، فاجتمع له حوالي ثلاثين ألف مقاتل تصحبهم عشرة آلاف فرس. وقد سميت غزوة مؤتة "غزوة العسرة"، وقيل أنَّها جاءت عسرة من الماء وعسرة من الظهر، وعسرة من النفقة. وفي هذه الغزوة عيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم، زيد بن حارثة أميرًا على الجيش وقال: "عليكم بزيد بن حارثة، فإن أصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة". ودارت معركة رهيبة بين الفريقين عند مؤتة، وقتل زيد بن حارثة، فأخذ الراية جعفر، ومضى يقاتل في شجاعة وإقدام وسط صفوف الروم، حتى قطعت يمينه، فحمل الراية بشماله فقطعت هي الأخرى، فاحتضن الراية بعضديه حتى استشهد، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. ويقول ابن عمر: "كنت مع جعفر في غزوة مؤتة، فالتمسناه فوجدناه وبه بضع وتسعون جراحة، ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أبدل يديه بجناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء وعرف بعد ذلك بجعفر الطيار رضي الله عنه.

الأم: وبعد عام من معركة تبوك، بعث بنو ثقيف مبعوثين إلى المدينة المنورة للاستسلام لمحمد والدخول في الإسلام. وقدمت العديد من القبائل العربية على محمد لإعلان الدخول في الإسلام والتحالف مع محمد فيما عرف بعام الوفود. وكان البدو غرباء على نظام الإسلام ويريدون الحفاظ على استقلاليتهم، والعادات والتقاليد التي درجوا عليها. فكان محمد مطالبا بالتوصل إلى اتفاق عسكري وسياسي ينص على أن تعترف القبائل بسلطة المدينة، والامتناع عن الاعتداء على المسلمين وحلفائهم، ودفع الزكاة، والولاية الدينية للمسلمين.

الأب: وفي الخامس من شهر ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة أعلن الرسول محمد عن عزمه أداء مناسك الحج، فخرج معه حوالي مئة ألف من المسلمين من الرجال والنساء، وأحرم للحج ثم لبّى قائلاً: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك، والملك، لا شريك لك". وبقي ملبياً حتى دخل مكة، وطاف بعدها بالبيت سبعة أشواط واستلم الحجر الأسود وصلّى ركعتين عند مقام إبراهيم وشرب من ماء زمزم، ثم سعى بين الصفا والمروة. وفي اليوم الثامن من ذي الحجة توجه إلى منى فبات فيها. وفي اليوم التاسع توجه إلى عرفة فصلى فيها الظهر والعصر، ثم خطب خطبته بالناس. وفي هذه الخطبة حث رسول الله عليه افضل الصلاة والتسليم، على نبذ جميع النزاعات الدموية القديمة والعصبيات القبلية والعرقية، وطالب الجميع بالتوحد كأمة واحدة. وأوصى محمد أتباعه بالنساء وحثهم على حسن معاملتهن والرفق بهن. كما تناول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أيضا مسألة الميراث، وأكد على قدسية الأشهر الحرم. وتلا قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا). وقد سميت هذه الخطبة بخطبة الوداع.

الأم: قال رسول الله في خطبة الوداع: إن دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. اتقوا الله في النساء. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله وأنتم تُسألون عنّي، فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات. وفي صفر سنة 11 هـ أصيب صلى الله عليه وسلم بأعراض بالحمى وارتفعت حرارته، فصلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالناس وهو مريض 11 يوماً وثقل به المرض، وطلب من زوجاته أن يمرَّض في بيت عائشة فانتقل إلى بيت عائشة وكانت مدة علته اثني عشر يوما وقيل أربعة عشر. وأرسل أبا بكر يصلي بالناس وكان أبو بكر رجلا رقيقا، فقال: يا عمر صلّ بالناس. فقال: أنت أحق بذلك. فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خفة فخرج يتّكيء على العباس، لصلاة الظهر فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا تتأخر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه فجعل أبو بكر يصلي قائما ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا.

الأب: دخل النبى  بيت عائشة رضى الله عنها و قال : لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات. و كان وجه النبى ملىء بالعرق. تقول السيدة عائشة أنها كانت تأخذ بيد الرسول  فتمسح بها على وجهه الكريم ثم قال النبى  : والله إنى لأجد طعم الشاة المسمومة مشيرا الى دس يهود خيبر السم له في طعامه، فبحسب رواية البخاري أنه قال:‏ "‏يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر !! بعدها بدأ خبر وجع رسول الله  ينتشر بين الناس و بين الصحابة حتى أن صوتهم بلغ مسمع النبى  فقال : إحملونى إليهم. فحملوا النبى  إلى المسجد و ألقى أخر خطبة له وقال : "ايها الناس كأنكم تخافون علي ؟ ايها الناس : موعدى معكم ليس الدنيا، موعدى معكم عند الحوض. والله لكأنى أنظر اليه من مقامى هذا. أيها الناس : والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم الدنيا ان تتنافسوها كما تنافسها الذين من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم. ايها الناس : إن عبداً خيّره الله بين الدنيا وبين لقاء الله فأختار لقاء الله. ففهم ابو بكر المراد وعرف أن الرسول  قد خُير بين الدنيا و لقاء ربه فأختار لقاء ربه. فعلى صوت ابى بكر  بالبكاء و قال : فديناك بأموالنا. فديناك بأبائنا. فديناك بأمهاتنا. فنظر إليه الناس شجراً فقال لهم الرسول: ايها الناس : دعوا ابا بكر فوالله ما من أحد كانت له يد إلا كافئناه بها إلا ابا بكر لم استطع مكافئتة فتركت مكافئتة لله عز وجل. وبدأ الرسول يوصى الناس و يقول: ايها الناس أوصيكم بالنساء خيراً وقال الصلاه الصلاه، الصلاه الصلاه، الله الله فى النساء، وظل يرددها و بدأ يدعى ويقول اواكم الله، نصركم الله وثبتكم الله.

الأم: ثم ختم وقال: ايها الناس ابلغوا منى السلام كل من تبعنى إلى يوم القيامة. ثم دخل النبى  بعدها بيته و نظر إلى السواك فأحضرتة السيدة عائشة رضى الله عنها وظلت تتسوك به لتلينه لرسول الله. ثم دخلت عليه السيدة فاطمة بنت ابى بكر فبكت فقال لها ادني مني يا فاطمة فهمس في اذنها فبكت. ثم قال لها مرة أخرى بأذنها فضحكت. وبعد وفاة الـرسول سألوا فـاطمة ماذا همس لك فبكيتي ؟ وماذا همس لك فضحكت ؟ قالت فاطمة : لأول مرة قال لي : يا فاطمة أني ميت الليلة فبكيت! ولما وجد بكائي رجع وقال لي: أنت يا فاطمة أول أهلي لحاقاً بي فضحكت.

الأب: وفى يوم 12 ربيع الأول نظر الرسول  إلى الصحابة و هم يصلون فأبتسم وظل ينظر إليهم ويبتسم ثم عاد إلى حجرته وبعدها وضع رأسه على صدر السيده عائشة رضى الله عنها حتى أسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم روحه الى خالقها. فخرجت السيدة عائشة تقول للصحابة: مات رسول الله مات رسول الله. فأنفجر الـمسـجـد بالبكاء حتى قال عمر بن الخطاب: إن قال أحدكم انه قد مات سأقطع رأسه بسيفـي إنما ذهب للقاء ربه كما ذهب موسى للقاء ربه.

الأم: تقول السيدة عائشة رضي الله عنها، أما أثبت الناس كان أبو بكر رضي الله عنه فدخل على النبي وحضنه وقال واخليلاه واحبيباه واابتاه وقبـّل النبي وقال : طبت حياً وطبت ميتا.ً فخرج أبو بكر رضى الله عنه إلى الناس وقال من كان يعبد محمد فمحمد قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت) ثم قرأ أية الله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)، وخرج يبكي ويبحث عن مكان يكون وحده ليبكي وحده.

الأب: يا حبيب الله يا سيدي يا رسول الله، يا من ارسله الله هدى ورحمة للعالمين، يا من خصّه الله بإسمين من اسمه الرؤوف والرحيم. يا شفيع المؤمنين يوم الحساب، يا من به ومنه شعّ نور الاسلام، يا من به ومنه أشرقت شمس الايمان، نحن الذين احببناك من غير ان نراك، ونحن الذين آمنا بالذي قلت من غير ان نسمعك، بحاجة اليك اليوم لتشفع لنا عند رب العالمين. فوالذي بعثك بالحق نحن في اشد كربة وتحت اعتى فرقة. فاسأل لنا الله ان يرفع مقته وغضبه عنا ولا يؤاخذنا بما يفعل السفهاء منا. ويعفو عنا ويغفر لنا ولا يحمّلنا ما لا طاقة لنا به.
اللهم صلّي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا ابراهيم وعلى آل سيدنا ابراهيم انك حميد مجيد.

ولنا لقاء غدا مع ليلة القدر ان شاء الله تعالى

سامي الشرقاوي

ليست هناك تعليقات: