الأحد، 25 ديسمبر 2016

6 قصة لوط عليه السلام

رمضانيات
حلقات يكتبها سامي الشرقاوي
الحلقة السادسة
لوط عليه السلام

اجتماع عائلي حول مائدة رمضان
الجميع بانتظار آذان المغرب يرفع لوقت الصلاة والافطار
يتسامر الصائمون حول الطاولة فيبدأ كبير العائلة كلامه


الأب: بعد أن سردنا قصص خلق آدم، ومن جاء من النبيين والرسل بعده، ادريس ونوح وهود وصالح.. سوف نتوقف اليوم عند قصة النبي لوط عليه السلام وما حل بقومه من نقمة الله عليهم.


الأم: هو لوط بن هاران بن تارح وهو ابن أخ ابراهيم الخليل عليه السلام، وكان قد نزح عن جوار عمه، فنزل بمدينة سدوم من أرض غور الواقع اليوم مكانها البحر الميت في غور الاردن. وكان أهلها من أفجر الناس وأكفرهم وأسوأهم طوية، وأسوأهم سيرة وسلوكا، يقطعون السبيل ويأتون المنكر والشذوذ بكل أنواعه.

الأب: و قوم لوط ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من البشر، وهي إتيان الذكور دون النساء وممارسة الجنس بين الذكور مع بعضهم البعض والعياذ بالله.

الأم: فدعاهم لوط إلى عبادة الله، وصار ينهيهم عن تعاطي مثل تلك الفواحش، ويشرح لهم خطيئة هذه الاعمال وعقابها عند الله ولكنهم أصروا على كفرهم وأمعنوا في تعاطي تلك المحرّمات الشنيعة وتمادوا في طغيانهم واستمروا في فجورهم.

الأب: ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع في كتابه المبين، فقال تعالى في سورة الأعراف: (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ، وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ، فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ، وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ).

الأم: أي أن الله يعلمنا أن قوم لوط من أفجر الناس وهم أول من تعاطى الشذوذ الجنسي بأن يفضل رجالهم الرجال على النساء بالشهوة الجنسية. فبعث فيهم نبيه لوطا ناصحا وواعظا وناهيا لهم عن فعل الفواحش والموبقات. فما كان جوابهم الا أن أمروا بطرده لأنه طاهر وعفيف، فحل عليهم العذاب ولم ينجو من العذاب الا أهل بيت لوط اما امرأته ولأنها كانت تخونه وتنقل اخباره الى الفجار فقد حل بها ما حل بقوم لوط. ويقول الله في هذه الآية أنه أنزل عليهم مطرا أغرقهم فكان ذلك عقابا لهم.

الأب: (واستضعفوه وسخروا منه) لأنه لم يكن معه زمرة تؤمن به وتحميه، وهمّوا باخراجه وطرده من مدينتهم. (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ). وتآمروا أن يطردوه من قريته هو وأهله واتهمّوه بالطهارة والعفة وهذا من عجب جنونهم وفجورهم.

الأم: ولكن الله لم يترك لوطا وحده بل أرسل اليه ملائكة يساعدونه على قومه، ويؤمّنون له الطريق ليخرج من تلك القرية القذرة، هو وأهل بيته، من عدا زوجته التي ثبت عليها تهمة الخيانة، ثم عمد الملائكة الى تدمير القرية وقلبها راسا على عقب ثم غمرها الماء وأصبحت جثث القوم ملحا نتنا وتحوّل المكان الى بحيرة من ملح أجاج.

الإبن: وكيف كان ذلك؟

الأب: ركب اولئك الكفار الغرور وظنوا انهم الاقوياء وتحدّوا لوطا أن يأتي بالعذاب الذي يتوعدهم وينذرهم به (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ).

الأم: فعند ذلك دعا عليهم لوط، فسأل الله أن ينصره على القوم الفاسدين المفسدين. فاستجاب الله لدعائه، وغضب لغضبته، وبعث ملائكته لينقذوا لوطاً ويمحون تلك القرية من الوجود. ولكن الملائكة قبل ان تذهب الى لوط مرّوا على سيدنا إبراهيم، ليبشّروه أن الله سيهبه خلفة صالحة، وسيكون من ذريته الملوك والانبياء.

الأب: (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ، قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ، لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ)، وهنا يخبرنا الله أنه بعث ملائكة من السماء لينجزوا أمر الله بقوم لوط، فمرّوا بطريقهم على ابراهيم وأعلموه بأنهم مرسَلين من الله ليخربوا سدوم وديارها، ويمطروا عليهم حجارة من طين على كل حجرة اسم واحد من أهل سدوم ستصيبه وترديه. والله اعلم؟

الأم: وقال: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ، قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ) أخبر الملائكة ابراهيم انهم مرسلون الى قوم لوط ليهلكوهم ويدمروا مدينتهم، فحزن ابراهيم حزنا شديدا وقال لهم ان فيها ابن اخيه لوط وهو من الصالحين. فقالوا ان الله أعلم بمن فيها وانهم سوف ينقذون لوطا وأهل بيته الا امرأته فلن تنجو لأنها ليست صالحة وقد سبق عليها الحكم من الله العزيز القدير.

الإبنة: وكيف تلقّى سيدنا ابراهيم هذا الخبر؟

الأم: من حكمة الله تعالى انه أعطاه الاخبار السيئة كما أعطاه أسعد خبر وبشرى في حياته وهي ان الله بشّره بغلام سيرثه من بعده وذرية من الابناء سيعطيهم الله النبوة والملك. ولكن البشرى هذه لم تردع سيدنا ابراهيم عن رجاء الله ورسله أن يرحموا قوم لوط لأن فيهم لوطا وآله. وقال الله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ). وذلك إنه كان يرجو أن يجيبوا أو ينيبوا ويسلّموا ويقلعوا ويرجعوا.

الإبن: ما معنى ذهب عن ابراهيم الروع؟

الأم: يعني زال عنه خوفه لأنه خاف من الملائكة قبل أن يعرف انهم ملائكة من عند الله، فهم لم يأكلوا من الطعام الذي ضيّفهم اياه – ففزع وظن انهم ينوون به شرا.

ألإبن: وما معنى يجادلنا في قوم لوط؟

الأب: حزن سيدنا ابراهيم على قوم لوط، بعد أن عرف نوع العذاب الذي سيحلّ بهم، فراح يناقش الملائكة لكي يلغوا هذا العذاب او يخففوه، فصار يقول لهم انه في القرية لوط وفيها غيره من المؤمنين حتى يقنعهم بالعدول عن تنفيذ المهمة التي جاءوا من أجلها.

الإبنة: ما أجملك با نبي الله، تكتم فرحتك وتقدّم رحمتك وتدعو الله ان يرجع عن قراره؟

الأم: لهذا قال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ، يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ).

الإبن: ما معنى حليم أواه منيب؟

الأب: الحليم هو الصبور والأّواه هو كثير الدعاء والمنيب هو السريع الى طاعة الله. وقد اجتمعت هذه الخصال الثلاثة في سيدنا ابراهيم عليه السلام.

الأم: ولكن الله نهاه عن هذا الجدل لأنه قد حتم أمرهم ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم إنه قد جاء أمر ربك أي قد أمر به من لا يرد أمره ولا يرد بأسه ولا معقب لحكمه وإنهم آتيهم عذاب غير مردود.

الأب: يروى  في هذا الصدد أن إبراهيم عليه السلام قال للملائكة "أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن- قالوا لا قال فمائتا مؤمن - قالوا لا - قال فأربعون مؤمناً - قالوا: لا - قال فأربعة عشر مؤمناً - قالوا لا الى ان قال: "أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا لا. قال: (إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا).

 الأم: هنا يريد الله أن يعلمنا برقة وحنان سيدنا ابراهيم، وخوفه على المؤمنين وعلى ابن أخيه لوط.

الإبنة: الله أكبر ما هذا – إن سيدنا ابراهيم فعلا كثير الدعاء وسريع الطاعة

الأب: وروى العلماء انه لما رحلت الملائكة من عند إبراهيم، ويقال انهم كانوا جبريل وميكائيل وإسرافيل، أقبلوا حتى وصلوا أرض سدوم، في صُوَرِ شُبّانٍ حِسَانٍ اختباراً من الله تعالى لقوم لوط، وإقامة للحجة عليهم، فتضيّفوا لوطاً عليه السلام وذلك عند غروب الشمس، فخشي إن لم يضفهم أن يضيّفهم غيره، وحسبهم بشراً من الناس.

الأم: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ). هنا وجد لوط نفسه بين أمرين كلاهما صعب. الامر الاول انه ضاق ذرعا بهم بمعنى أنه اشتد عليه الامر واحتار، لان قومه كانوا قد منعوه من ضيافة احد دون علمهم واخباره. والامر الثاني ان ضيوفه كانوا على ابهى وأجمل صورة، فخاف أن يعلم بهم الفاجرون فيأتوا ويفجروا بهم. لذلك قال انه يوم عصيب.

الأب: وذكر أنهم أقبلوا عليه وهو يزرع في أرضه، وطلبوا منه أن يضيّفهم وهو لا يعلم بأمرهم، فاستحيا منهم، وانطلق أمامهم، وحاول أن يقنعهم بأن يتركوا القرية ولا ينزلوا فيها ولا يتضيّفون عند أحد، فقال لهم فيما قال: والله ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء، ثم مشى قليلاً ثم أعاد ذلك عليهم، حتى كرره أربع مرات. وقد قيل: وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيّهم بذلك.

الإبن: ما أبلغ حكمة الله؟

الأم: وروى آخرون أنه لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا سدوم، لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها، وكانت له ابنتان اسم الكبرى "ريثا"، والصغرى "زغرتا"، فقالوا لها: يا جارية هل من منزل؟ فقالت لهم: مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم – حيث خافت عليهم من فجور القوم بهم وهم على هذه الصورة من الحسن والجمال والطلعة البهية.

الأب: فأتت أباها فقالت: يا أبتاه، أرادك فتيان على باب المدينة، ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم، لا يأخذهم قومك، فيفضحوهم. فجاء بهم، فلم يعلم أحد إلا أهل البيت.

الأم: الّا ان زوجته خرجت من الدار وأخبرت قومها، فقالت: إن في بيت لوط رجالاً ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون إليه.

الأب: وقوله تعالى (وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ). أي أنه سبق لهم فعل مثل هذه المنكرات ولهم سجل واسع من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة.

الأم: (قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) – وصلت الشهامة عند لوط أن دافع عن ضيفه، وعن عدم فعل الجريمة النكراء بهم، بأن عرض على الفجّار بناته لأنهن أطهر لهم وفق الشريعة الالهية والكونية، يريد بذلك أن يهديهم الى الصواب، ويردعهم عن فعل الشذوذ.

الأب: ودليل ذلك وفي قوله تعالى (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ، وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ). انظروا الى هذه البلاغة في السرد وتبيان الحجة. تأملوا في الموقف وحاولوا ان تجدوا كلاما ينهي به لوط قومه عن المنكر غير الكلام الذي ذكره الله على لسانه في هذه الآية البديعة.

الإبنة: فعلا ما أجمل هذه البلاغة.

الإبن: الله أكبر. لخّص لنا الله معضلة اجتماعية كبيرة وشريعة اجتماعية واسعة تقوم على أساسها هذه الدنيا وذلك بآية واحدة من جملة واحدة. ما هذا الابداع – حقا لا يأتي بهكذا كلام الا الله سبحانه وتعالى.

الأب: وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) – رجا لوط قومه ان يتّقوا الله ولا يفضحوه في ضيفه.. لم يهن عليه فعل الفضيحة في بيته، كما لم يهن عليه أن يأخذوا ضيفه من بيته يفتعلون بهم المنكر والشذوذ.. ناشد فيهم أن يكون بينهم ولو رجلا واحدا له عفة وكرامة يستطيع ان يميز بين الطيب والخبيث.

الإبنة: حقا ما أصعب هذا الموقف الذي وجد لوط فيه نفسه.

الأم: لكن الله لا يترك عبده يقف هكذا موقف من دون أن يساعده، ويقوّيه ويشد ازره وينصره على اعداءه. وكان كلام لوط هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوه منه لأنه امعان في الشهادة ان كل قومه هم من السفهاء والكفار والفجّار والشذّاذ.

الأب: بل وأراد الله ان يشهد هؤلاء الفجّار على أنفسهم، فقالوا للوط:(قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) اشارة الى انهم يأتون الذكران دون الاناث.  يقولون: عليهم لعائن الله، لقد علمت يا لوط إنه لا أرب لنا في نسائنا، وإنك لتعلم مرادنا وغرضنا ليس مجامعة النساء.

الإبن: لقد شهد الفجّار على أنفسهم.

الأم: لذلك لمّا رآهم مصرّين على أخذ ضيوفه وفعل الشنائع بهم، ولم يعد أمامه من سبيل بعد أن هاجموا داره فقال لو كان لي قوة لقاتلتكم دفاعا عن ضيوفي، وأمنعهم عنكم بأن احتمي بمكان آمن لا تستطيعون الوصول اليه (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ).

الأب: أراد سيدنا لوط أن يحمي ضيفه بالحائط، اذ عرف انه حانت ساعة المواجهة، وودّ أن لو كان له بهم قوة، أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم، ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب، على هذا الخطاب – وقيل عن سيدنا محمد أنه قال: ما بعث الله نبيا بعد لوط الا في ثروة من قومه – أي ان له قوما ينصرونه وعشيرة تحميه.

الأم: ذكر بعض المفسرين أن نبي الله لوطاً عليه السلام جعل يمانع قومه الدخول، ويدافعهم، والباب مغلق، وهم يرومون فتحه وولوجه، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب. فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال ما قال (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ).

الإبن: وماذا فعل الملائكة؟

الأم: هنا قالت الملائكة (يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ). أعلموه أنهم ملائكة مبعوثين من عند الله، وان لهم من المنعة والشدة والقوة، ما يستطيعون بها ان يردّوا قومهم ويدافعوا عنه ويمنعوهم من الوصول اليه.

الأب: روي أن جبريل عليه السلام خرج عليهم فضرب وجوههم ضربة واحدة بطرف جناحه، فطمست أعينهم، حتى قيل: إنها غارت في رؤوسهم، ولم يبق لها أثر، فرجعوا يتحسسون مع الحيطان، ويتوعدون رسول الرحمن، ويقولون: إذا كان الغد كان لنا وله شأن.

الإبن: الله أكبر جاء جبريل القوي المتين.

الأم: يقال انه جاء لنصرتهم وهو غضبان غضبا شديدا، فرفع الارض من تحتهم وقلب عاليها سافلها.
 قال الله تعالى (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ، وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ). فبعد أن أعماهم الله وطمس عيونهم وأذاقهم أول بدايات العذاب، توعّدهم بأن يكون لهم في الصباح عذاب يستقر عليهم ولا يرفع عنهم. وتقدمت الملائكة إلى لوط عليه السلام وأمروه بأن يسري هو وأهله من آخر الليل، ولا يلتفت منهم أحد، يعني عند سماع صوت العذاب إذا حلّ بقومه، وأمروه أن يسير ورائهم لتأكيد حمايتهم.

الأب: أما قوله تعالى: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بقطع من الليل وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ انه مصيبها ما اصابهم إنّ موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) عندما أمر الملائكة سيدنا لوط أن يسري بأهله في الليل، طلبوا منهم أن لا يلتفت أحد منهم الى الخلف، ولكنهم قالوا له أن امرأته سوف تلتفت الى الوراء وسوف يصيبها مثل ما يصيبهم من العذاب.

الأم: وقالوا له مبشّرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين الذين جعلهم الله سلفاً لكل خائن مريب، موعد عذابهم هو الصبح وأن الصبح ليس ببعيد:(إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ).

الأب: فلما خرج لوط عليه السلام بأهله، وهم ابنتاه وامرأته، لم يتبعه أحد من قومه. فلمّا ابتعدوا عن ديارهم، وطلعت الشمس فكان عند شروقها جاءهم من أمر الله ما لا يرد. ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد. قال الله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ).

الأم: جاء جبريل واقتلعهم مع أرضهم بطرف جناحه هم ومدنهم، وكن سبع مدن بمن فيهن من الخلق والبشر والحجر والزرع والاماكن، فقالوا: إنهم كانوا أربع مائة نسمة. وقيل: أربعة آلاف نسمة وما معهم من الحيوانات، وما يتبع تلك المدن من الأراضي والأماكن، فرفع الجميع الى أن بلغ بهم عنان السماء، حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها.

الإبنة: الله أكبر – يستأهلون والله هذا النوع من العذاب

الأب: ولكن لم يكف ذلك (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) وهي حجارة شديدة صلبه تولّد سرعتها حرارة نارية فتحرق من تصيبه حرقا وتذيبهم ذوبانا. تماما كما تفعل قنابل النابالم اليوم في الحروب.

الأم: (مسوّمة) أي معلّمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه، الذي يهبط عليه فيدمغه، كما قال تعالى (مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) بمعنى أن نقشت على هذه الحجارة أسماء الفجّار – كل حجرة عليها اسم فاجر- قبل أن تنزل عليهم من السماء لتحرقهم وتذيبهم.

الأب: تعالوا ننظر في معاني هذه الآية بنظرة غير نظرة المفسرين واللغويين. ونرى كيف يمكن ان تُطبّق في عصرنا الحالي. فقد اختلف المفسرون في تفسير كلمة منضود وكلمة مسومة. فمنهم من قال ان منضود يعني متراكم كطلح النخل ومنهم من قال انه متتالي ومنهم غير ذلك. ومنهم من قال مسومة يعني عليها اسم من ستصيبه ومنهم من قال انها تعني معلّمة.
فإذا اخذنا المعنى الاجمالي البسيط للآية فهي تعني ان الله امطرهم بوابل من حجارة من جمر تراكمت بعضها فوق بعض من شدة سرعتها الا ان كل حجر عليه علامة معينة يجوز انها تدل على اسم الهدف المخصص لها


الأم: أما اذا زدنا قلبل من خيالنا العلمي لقلنا ان هذه الحجارة ما هي الا قنابل حرارية مصنوعة على شكل عناقيد كطلوح البلح ومرقّمة تصيب هدفها بدقة متناهية .. وبالتالي هي كالقنابل العنقودية التي ما ان تصطدم بالارض حتى تنفرط الى عدة قنابل صغيرة حارقة تنتشر بشكل عشوائي لتصيب اكبر عدد ممكن من الاهداف وتقضي عليه.

الابن: هل تريد ان تقول يا أبي ان القنابل العنقودية كانت موجودة في ذلك الزمان

الأب: لا يا صديقي ... انما اريد ان اقول ان كل ما صنع الانسان كان من فكرة اقتبسها من تلك القصص. وان الله اراد ان يعلمنا ان ما يخترعه الانسان هو اصلا كان حقيقة موجودة اوجدها الله من بدء الكون 
الأم: وقال تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ). أي أن المطر الشديد الذي نزل عليهم كان سيئا وشديدا لدرجة عالية أغرقهم وأتلف بيوتهم وزرعهم وكل ما أنشأوا. ويقال: إن امرأة لوط مكثت مع قومها. ويقال: إنها خرجت مع زوجها وبنتيها، ولكنها لما سمعت الصيحة، وسقوط البلدة) التفتت إلى قومها، وخالفت أمر ربها فسقط عليها حجر، فدمغها وحوّلها الى جسد من ملح كالخ وألحقها بقومها، إذ كانت على دينهم، وكانت عيناً لهم على من يكون عند لوط من الضيوف.

الأب: عندما حصل ما حصل من العذاب والخراب والدمار، تحوّلت الديار الى بحيرة ماء منتنة لا ينتفع بمائها ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها، لرداءتها ودناءتها، فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته وعزته في انتقامه ممن خالف أمره وكذّب رسله واتّبع هواه وعصى مولاه. ودليلاً على رحمته بعباده المؤمنين في انقاذهم من الهلاك، وإخراجه إياهم من النور إلى الظلمات. وهذه البقعة اليوم تسمّىى بالبحر الميت – وهنالك محاولات ناشطة على اقناع الناس بأن مياه هذا البحر وأملاحهه تشفي الامراض وتنفع في تقوية الجلد ومناعاة المسامات الى ما هنالك من الاضاليل.

الأبنة: علما بأنه سمّي البحر الميت لأنه لا يوجد حياة فيه.. فكل الاحياء البحرية لا تستطيع العيش فيه.. وماؤه ملح أجاج. تزيد نسبة أملاحه أضعافا مضاعفة على نسبة الاملاح الموجوده في البحار والمحيطات العادية.

الإبن: هنا يعني الله أن البحر الميت هو باقٍ الى يومنا هذا كي يذكرنا بما حصل لقوم لوط – أليس كذلك؟

الأم: أجل بالطبع، ويذكّرنا أيضا لماذا حصل بهم ما حصل.

الأب: وقال الله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ، فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ، وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) هنا يجب ان نلاحظ ان الصيحة كانت بداية انطلاق العذاب. هي قضت على قوم ثمود اي الامواج الصوتية .... انما الله لم يكتف بها مع قوم لوط ...  بل اردفها بقصف الحجارة ثم قلبها رأسا على عقب فجعل عاليها سافلها. 

الأم:  فلمّا حان موعدهم عند الصباح صدرت صيحة عظيمة دوّت في أرجاء الارض والسماء، ورفع جبريل الارض بهم حتى قيل ان الملائكة في السماء سمعت صياح ديكهم ونباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، ونزل من السماء مطرا حجارة من نار وكل هذه الامور كانت من آيات الله وقدراته. وبات هذا المكان مشهودا للناس يمرّون عليه في اسفارهم ويقصدونه لمشاهدته والنظر وليكون للمؤمنين عبرة بعتبرون منها ولا يفعلون ما كان يفعله قوم لوط.

الابنة: أعوذ بالله من غضب الله!

الأم: (وانها لبسبيل مقيم) أي القرية المنكوبة موجودة بآثارها، الى يومنا ارادها الله برهانا ساطعا وشاهدا على قوم لوط وما حل بهم من عذاب لم يشهده احد من قبلهم. كما قال تعالى: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُون).


الأب: ولد سيدنا لوط عليه السلام في العراق في قرية من قرى الكوفة يقال لها "كوثار" أو "فدّان آرام" وأمه أخت أمّ إبراهيم عليه السلام وهي ابنة لاحج، وهو أيضا أخو سارة زوجة إبراهيم عليه السلام لأمّها. وكان متحلياً بالتقوى والصبر على المحن وطاعة الله تعالى والشكر له على كل نعمة ودفع النقم، كما كان في غاية الكرم والإستمساك بالذمام وحفظ الجار والضيف، ويقال أنه كان غنياً ذا ثروة من الذهب والفضة وصاحب إبلٍ وغنمٍ وبقرٍ كثير، وله عبيدٌ وإماءٌ كثرٌ.

الأم: وعاش لوط في زمن إبراهيم وولديه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام، ولما بُعث إبراهيم نبياً رسولاً آمن لوط بنبوَّته ودعا إليه وإلى شريعته، كما ذكر ذلك الله تعالى في كتابه العزيز حيث قال في قصة إبراهيم (فآمن له لوط).

الأب: ولمَّا اضطرّ إبراهيم إلى الخروج من وطنه العراق بسبب مضايقة الكافرين له، هاجر لوط معه كما ورد في القرآن الكريم: (وقال إني مهاجرٌ إلى ربي). وتبع لوط إبراهيم في رحلاته، وقد ورد ذكره في أربع عشرة سورة من سور القرآن الكريم هي على التوالي: سورة الأنعام، سورة الأعراف، سورة هود، سورة الجحر، سورة الأنبياء، سورة الحج، سورة الشعراء، سورة النمل، سورة العنكبوت، سورة الصافات، سورة ص، سورة ق، سورة القمر، وسورة التحريم.

الإبنة: ولماذا ورد اسمه مرات عديدة في القرآن الكريم؟

الأب: لم تكن فعلة قوم سادوم وعامورة فعلة هيّنة بل هي شنعاء تقشعر لها الابدان، لم يسبقهم احد من قبل على فعلها، ولهذا يذكرنا المولى دائما بهذه الفعلة وبنبيه لوط الذي ذاق الامرين في محاربة قومه.

الأم: ليس هذا فحسب، بل كان أهل سدوم أهل ظلم وجور، حتى أن القاضي عندهم كان يحكم لهم على الغرباء، بحقٍ وبغير حق، حيث يُروى أن سارة زوجة إبراهيم بعثت إلى سدوم رسولاً من قبلها ليستطلع لها أخبار لوط ويأتيها بها. فلما وصل الرسول إلى تلك البلاد لقيه رجل من أهلها وضربه بحجر على رأسه، فسال دمه على وجهه وثيابه، ثم أن ذلك الرجل تعلَّق برسول سارة وأخذ يطالبه بأجر على فعلته تلك، اي ان المعتدي يريد تعويضا من المعتدى عليه! وبعد مشاحنات ومجادلات دعاه رسول سارة إلى القضاء وهو لايعرف ماذا ستكون النتيجة...

الأب: وتوجّها إلى قاضي سدوم فما كان منه إلا أن حكم على الرسول المضروب للرجل المعتدي... فعمد رسول سارة إلى حجر وضرب به راس القاضي فشجّه وأسال دمه وولى هارباً وهو يقول له: "ادفع إلى ضاربي هذا مايتوجب لي عليك لقاء ضربي إياك".

الإبنة: سبحان الله – هذه قصة ظريفة يا أبي

الإبن: والله معه حق هذا المسكين.

الأم: مهما يكن من أمر صحة هذه الرواية وطرافتها سواء أكانت صحيحة أم مروية على سبيل التندّر والتهكم والمبالغة في التدليل على ظلم أهل سدوم، فإنها تبقى دليلاً على أن أهل تلك البلاد كانوا يتجاوزون الحدود في أعمالهم وتصرفاتهم.

الأب: ويحدثنا المؤرخون أن أهل سدوم كلهم باستثناء أهل بيت واحد هو بيت لوط كانوا يجتمعون في مجالسهم ونواديهم، على نكاح الرجل الغريب، ويتوالون على ذلك حتى في محضر نسائهم وبناتهم، كما كانوا يقذفون الغرباء الذين يمرون في ديارهم بالحجارة، فأيهم أصابه حجر أخذوا ماله ونكحوه، وكان لهم قاضٍ يفتي لهم بذلك، بلاحشمة أو حياء، حتى أنهم قطعوا الطريق على المارة ليقوموا بهذه الفاحشة المنكرة.

الأم: رأى لوط عمل أهل تلك البلاد، فساءه ذلك منهم، خصوصاً وأنه كان يعيش بينهم وقد تزوج امرأة منهم، وحاول إصلاح حالهم، فدعاهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، ونهاهم عن الفواحش والمحرمات والمنكرات التي كانوا يرتكبونها.

الأب: أما أهل سدوم فكانت ردة فعلهم على هذه الدعوة معاكسة، فراحوا ينهون لوطاً عن استقبال الضيوف ويهددونه بالإخراج من بلادهم إن هو أصر على دعوته وملاحظاته وتأنيبه لهم، وما زادتهم دعوته إلاّ إصراراً على منكرهم، واستمروا في كفرهم وفجورهم.

الأم: وظلت قصة لوط مع قومه عظة وعبرة لمن (خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى).

الإبنة: فسلام على لوط (وإن لوطاً لمن المرسلين).

الأب: والى قصة نبي آخر في الغد بإذن الله

سامي الشرقاوي

ليست هناك تعليقات: