الأحد، 25 ديسمبر 2016

30 قصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه

رمضانيات
الحلقة 30
علي بن أبي طالب
رضي الله عنه

حلقات يكتبها سامي الشرقاوي
اجتماع عائلي حول مائدة رمضان
الجميع بانتظار آذان المغرب يرفع لوقت الصلاة والافطار
يتسامر الصائمون حول الطاولة فيبدأ كبير العائلة كلامه

علي بن أبي طالب رضي الله عنه

الأب: بعد مقتل سيدنا عثمان بن عفان، بايع أغلب الصحابة والتابعين في المدينة المنورة سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه للخلافة. وقد رأى علي تأجيل تنفيذ القصاص بقتلة عثمان حتى تستقر الأمور في المدينة، ولكن كان هناك من له رأيًا مخالفًا؛ وطالبوا بالقصاص الفوري. من هؤلاء السيدة عائشة، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام ومعاوية بن أبي سفيان والي الشام والذي اعتبر نفسه ولي دمه لأنه من بني أمية مثله.

الأم: هو ابن عم رسول الله، وزوج ابنته فاطمة رضي الله عنها، ووالد سبطيه الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة أسلم قبل الهجرة النبويّة، وهو أوّل من أسلم من الشباب. هاجر إلى المدينة المنوّرة بعد هجرة سيدنا محمد بثلاثة أيّام وآخاه الرسول مع نفسه حين آخى بين المسلمين، وزوجه ابنته فاطمة في السنة الثانية من الهجرة.

الأب: شارك سيدنا علي في كل غزوات الرسول عدا غزوة تبوك حيث خلّفه فيها محمد على المدينة. وعُرف بشدّته وبراعته في القتال فكان عاملاً مهماً في نصر المسلمين في مختلف المعارك وابرزها غزوة الخندق ومعركة خيبر. وقد كان موضع ثقة الرسول صلى الله عليه وسلم فكان أحد كتاب الوحي وأحد أهم سفرائه ووزرائه.

الأم: قدر علي بن أبي طالب أن يكون موضع خلاف تاريخي وعقائدي بين الفرق الإسلامية المختلفة، ويُعدّ اختلاف الاعتقاد حول علي هو السبب الأصلي للنزاع بين السنة والشيعة على مدى العصور. وهذا لم يكن ليكون لولا مكانة سيدنا علي العالية عند الرسول صلى الله عليه وسلم، ولولا قوة شخصيته ووسعة علمه وشدة ايمانه وحب الناس له.

الأب: قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا مدينة العلم وعلي بابها. فقد كان رضي الله عنه من أعلم الناس وأبلغ الناس وأفهم الناس حتى قال فيه سيدنا عمر بن الخطاب: لولا علي لضاع عمر. بويع بالخلافة سنة 35 هـ (656 م) بالمدينة المنورة، وحكم خمس سنوات وثلاث أشهر وصفت بعدم الاستقرار السياسي، لكنها تميزت بتقدم حضاري ملموس خاصة في عاصمة الخلافة الجديدة الكوفة.

الأم: وفي عهده وقعت الكثير من المعارك بسبب الفتن التي تعد امتدادا لفتنة مقتل عثمان، مما أدى لتشتت صف المسلمين وانقسامهم لشيعة علي الخليفة الشرعي، وشيعة عثمان المطالبين بدمه على رأسهم معاوية بن أبي سفيان الذي قاتله في صفين، وعائشة بنت أبي بكر ومعها طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام الذين قاتلوه في يوم الجمل؛ كما خرج على علي جماعة عرفوا بالخوارج وهزمهم في النهروان، وظهرت جماعات تعاديه سموا بالنواصب. واستشهد على يد عبد الرحمن بن ملجم في رمضان سنة 40 هـ 661 م.

الأب: اشتهر كرّم الله وجهه عند المسلمين بالفصاحة والحكمة، فينسب له الكثير من الأشعار والأقوال المأثورة. كما يُعدّ رمزاً للشجاعة والقوّة ويتّصف بالعدل والزُهد. كما يُعتبر من أكبر علماء في عصره علماً وفقهاً إنْ لم يكن أكبرهم على الإطلاق. وهو أصغر ولد أبيه أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم أحد سادات قريش والمسؤول عن السقاية فيها. ويرجع نسبه إلى النبي إسماعيل بن إبراهيم. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، التي قيل أنها أول هاشمية تلد لهاشمي، وكان والدا علي قد كفلا محمدًا حين توفي والداه وجده وهو صغير فتربى ونشأ في بيتهما.

الأم: يؤكد الشيعة أنه المولود الوحيد داخل الكعبة وفقًا لروايات تقول أن موضعًا بأحد جدران الكعبة يسمى المستجار قبل الركن اليماني قد انشق لفاطمة بنت أسد حين ضربها الطلق فدخلت الكعبة وولدت علي. وذُكر ذلك في المصادر السنية. وحين كان علي ما بين الخامسة والسادسة من عمره مرت بمكة سنين عسرة وضيق أثّرت على الأحوال الاقتصادية في مكة وما حولها، وكان لأبي طالب ثلاثة أبناء: علي وعقيل وجعفر، فذهب إليه الرسول محمد وعمه العباس بن عبد المطلب وعرضا عليه أن يأخذ كل منهما ولدا من أبنائه يربيه ويكفله تخفيفا للعبء الذي عليه، فأخذ العباس جعفر وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم عليا، فتربى في بيته وكان ملازما له أينما ذهب.

الابن: ولماذا يقولون عند ذكر اسمه "كرّم الله وجهه"

الأم:  سيدنا علي بن ابي طالب لم يسجد لصنم قط طيلة حياته، ولهذا يقول المسلمون "كرم الله وجهه" بعد ذكر اسمه، وقيل ايضا لأنه لم ينظر لعورة أحد قط.

الأب: أسلم علي وهو صغير، وقد ورد أن محمدا صلى الله عليه وسلم جمع أهله وأقاربه بعد ان انزل الله (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، فعرض عليهم الإسلام، وقال أن من يؤمن به سيكون وليه ووصيه وخليفته من بعده، فلم يجبه أحد إلا عليا.  يقول: قلت: «وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا؛ أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي»، ثم قال: «إن هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا». قال: «فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع».  

الأم: عندما عزم رسول الله على الهجرة إلى يثرب، اجتمع سادات قريش في دار الندوة واتفقوا على قتله، فجمعوا من كل قبيلة شاب قوي وأمروهم بانتظاره أمام باب بيته ليضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه بين القبائل. فجاء جبريل وحذره من تآمر القريشيين لقتله. فطلب من علي بن أبي طالب أن يبيت في فراشه بدلا منه ويتغطى ببرده الأخضر ليظن الناس أن النائم هو محمد وبهذا غطي على هجرة النبي وأحبط مؤامرة أهل قريش. ثم امره أن يؤدي الأمانات إلى أهلها ففعل، حيث كان أهل قريش يضعون أماناتهم عند محمد. وبقي علي في مكة حتى وصله أمر الرسول بالهجرة الى المدينة ففعل.

الأب: خرج علي للهجرة إلى المدينة وهو في الثانية والعشرين من عمره، وحيدا يمشي الليل ويكمن النهار. وبعد أيام قليلة وصل إلى قباء حيث انتظره الرسول بها رافض الرحيل قبل وصوله. وصل وقد أنهكه السفر وتورمت قدماه ونزف منهما الدم. فانتظر الرسول حتى تعافى ثم انزله معه إلى المدينة. وحين وصلا قام بما عرف بمؤاخاة المهاجرين والأنصار وآخى بين علي وبين نفسه وقال له: «أنت أخي في الدنيا والآخرة».

الأم: وفي السنة الثانية من الهجرة تزوج على من فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد روي أنه توالى الصحابة على الرسول لخطبتها إلا أنه ردهم جميعا. وأنجب سيدنا علي من فاطمة ولديه الحسن والحسين، كما أنجب زينب وأم كلثوم والمحسن، والأخير حوله خلاف تاريخي حيث يروى أنه قتل وهو جنين يوم حرق الدار، وفي روايات أخرى أنه ولد ومات في حياة النبي، في حين ينكر البعض وجوده من الأساس. وفي أكثر من مناسبة صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن علي وفاطمة والحسن والحسين هم أهل بيته.

الأب: كان سيدنا علي موضع ثقة الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان أحد كتاب القرآن أو كتاب الوحي الذين يدونون القرآن. وكان أحد سفرائه الذين يحملون الرسائل ويدعون القبائل للإسلام. كما كان مستشاره في الكثير من الأمور. شهد بيعة الرضوان وقام بتدوين وثيقة صلح الحديبية وشهد عليه. كما ساهم في فض النزاعات وتسوية الصراعات بين بعض القبائل. وشهد علي جميع المعارك مع الرسول إلا غزوة تبوك، التي خلفه فيها على المدينة وعلى عياله بعده وقال له: انت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.

الأم: عرف علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ببراعته وقوته في القتال، وقيل إنه اقتحم حصن خيبر متخذاّ الباب درعا له لشدة قوته في القتال. وكان لعلي سيف شهير أعطاه له الرسول في غزوة أحد عرف باسم ذو الفقار، كما أهداه محمد درعا عرفت بالحطمية ويقال أنها سميت بهذا الاسم لكثرة السيوف التي تحطمت عليها.

الأب: بعد أن أتم النبي محمد مناسك حجة الوداع وخرج المسلمون عائدين لديارهم، توقف عند مكان يقال له غدير خم وخطب في المسلمين خطبة اختلفت الروايات حولها ولكن يجمع المؤرخون أنه جاء فيها«من كنت مولاه فعلي مولاه». وبعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم صار علي من أكثر المواضع الخلافية في التاريخ الإسلامي، ويتخذ الخلاف منحى عقائدي حيث يرفض رجال الدين السنة والشيعة الروايات التي تعارض عقيدتهم، ويؤيدهم في ذلك علماء الجرح والتعديل من ناحية سند الروايات.
الأم: قام علي بتغسيل جثمان الرسول صلى الله عليه وسلم وتجهيزه للدفن، وفي هذه الأثناء اجتمع الأنصار ورشحوا سعد بن عبادة ليكون خليفة للمسلمين، وحين سمع أبو بكر وعمر بهذا توجها إليهم وأكدوا على أحقية المهاجرين بالخلافة ودار جدال بينهم، وفي النهاية تم اختيار أبي بكر ليكون خليفة النبي، بعدها توجهوا لبيت علي لأخذ البيعة منه. ويرى بعض المؤرخين ان عليا كان مقتنعا بأحقية خلافته بينما يقول الآخرون انه تقبّل الامر ولم يعارض وبايع أبا بكر. وتؤكد المصادر أن علي بن أبي طالب احتفظ بدور كبير خلال عهود الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، وكانوا يستشيروه في الكثير من الأمور.

الأب: بعد وفاة الرسول بحوالي ستة أشهر توفيت زوجته فاطمة، ويروى أنها أوصت عليا بأن يبقى مكان دفنها سرا، فدفنها ليلا في مكان مجهول وصلى عليها وابناه الحسن والحسين. وبعد وفاة أبي بكر تزوج علي بن أبي طالب أرملته أسماء بنت عميس، وكفل ابنها محمد بن أبي بكر، فتربى في بيته، وأصبح من كبار شيعته فيما بعد.

الأم: كان علي قاضي عمر على المدينة وكان يستشيره في كثير من القضايا والأمور الفقهية والسياسية ويعمل بمشورته. وفي العديد من المواقف المعقدة التي احتاجت دراية بالأحكام الفقهية كان علي بن أبي طالب يقدم لعمر الحكم الإسلامي فيها، حتى قال عمر في ذلك: لولا علي لهلك عمر. وينسب لعمر كذلك أنه قال: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن. وتزوج عمر أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب. وردّ العقارات بفدك وخيبر إلى علي والعباس وبني هاشم. وكذلك كان عمر يضع علي بن أبي طالب في المرتبة الثانية في عطايا بيت المال بعد العباس عم محمد. حين كان عمر يحتضر، رشح ستة للخلافة من بينهم علي بن أبي طالب.

الأب: وتم التوصل للمرشحين النهائيين وهما عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب. ويقال ان عليا بايع عثمان على مضض بعد انن استقر الرأي عليه وقال لعبد الرحمن بن عوق وسيط المبايعة: واللَّه ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك. واللَّه كل يوم هو في شأن.

الأم: لكن علي احتفظ بمكانته الدينية والاجتماعية في عهد عثمان، فكان يعطيه المشورة دائما، ويعتبره بعض المؤرخين العالميين، بمثابة كابح لعثمان حينما بدأت سيطرة الأمويين على الأمور مثلما عمل على حماية بعض الصحابة من إساءة الأمويين لهم مثل ابن مسعود وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر، وحين قام بإقامة الحد على الوليد بن عقبة، وإنكاره على عثمان عمرة رجب كما ورد في سيرة ابن حبان إلا أن علاقة علي بعثمان تبقى موضع خلاف، فهناك من يعتبره من كبار رجال المعارضة، وآخرون يعدوه مستشارا له وليس معارضا.

الأب: عندما وقعت الفتنة الأولى وجاء الثوار من الكوفة والبصرة ومصر مطالبين بعزل عثمان، أصبح علي بمثابة وسيط بين الثوار وعثمان، فكانوا يذهبون إليه ويستمع لشكواهم ومطالبهم ثم يذهب بها إلى عثمان ويناقشه حولها. وأثناء الحصار كان عليا يؤم الناس في الصلاة، فأرسل علي بن أبي طالب ولديه الحسن والحسين لمنع الثوار من اقتحام بيت الخليفة. وبعث عثمان إلى علي مرة أخرى يطلب منه أن يكف الثوار فذهب إليهم فعرضوا عليه مطالبهم كرد المظالم وعزل من كرهوا من الولاة وأمهلوه فترة من الزمن لكن عثمان لم ينفذ المطالب فذهبوا إليه فأبى أن ينفذها، فمنعوه الطعام والشراب. وقيل أنه لما اشتد الحصار على عثمان ذهب إليه علي معتمرا عمامة محمد ومتقلدا سيفه ومعه نفر من الرجال من ضمنهم ابنه الحسن وعرضوا عليه قتال الثوار إلا أن عثمان رفض أن يراق الدم بسببه. استمر الحصار 40 يوما إلى أن استطاع الثوار اقتحام الدار من الخلف وقتل عثمان.

الأم: يرى بعض السنة أن سبب الفتنة مؤامرة من شخص يهودي ادعى الإسلام يسمى عبد الله بن سبأ الذي خلق الفتنة لتدمير الدولة الإسلامية. بينما يرجع بعض الباحثين وقوع الفتنة إلى سياسات عثمان، فالثوار رؤوا في علي بن أبي طالب المنقذ الذي سيخلصهم من ولاة بني أمية الفاسدين الذين عينهم عثمان، ويصلح الأحوال الاقتصادية حيث اتسعت الفوارق الطبقية بسبب سياسات عثمان في تفضيل بني أمية وبعض الصحابة ومنحهم العطايا والهبات من بيت المال وخمس الغنائم.

الأب: لما قتل عثمان، بويع علي بن أبي طالب للخلافة بالمدينة المنورة وأول من بايعه كان طلحة والزبير وفي تاريخ الطبري أول من بايع مالك الأشتر النخعي، وتقول بعض المصادر أن أقارب عثمان والأمويين لم يبايعوه، وتوجهوا إلى الشام، وأن بعض الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وغيرهم لم يبايعوا بالولاء ولكن تعهدوا بعدم الانقلاب ضده.

الأم: استلم علي الحكم خلفا لعثمان، في وقت كانت الدولة الإسلامية حيذاك تمتد من المرتفعات الإيرانية شرقا إلى مصر غربا بالإضافة لشبه الجزيرة العربية بالكامل وبعض المناطق غير المستقرة على الأطراف. ومنذ اللحظة الأولى في خلافته أعلن علي أنه سيطبق مبادئ الإسلام وترسيخ العدل والمساواة بين الجميع بلا تفضيل أو تمييز، كما صرح بأنه سيسترجع كل الأموال التي اقتطعها عثمان لأقاربه والمقربين له من بيت المال. وأمر بعزل الولاة الذين عينهم عثمان وتعيين ولاة آخرين يثق بهم، مخالفا بذلك نصيحة بعض الصحابة الذين نصحوه بالتروي في اتخاذ القرار.

الأب: وبعد استلامه الحكم ببضعة أشهر، وقعت معركة الجمل التي كان خصومه فيها طلحة والزبير ومعهما أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم. فسارو من مكة إلى البصرة بعشرة آلاف مقاتل وتحرك إليهم علي ولقيهم على مشارف البصرة، وحين وصل أرسل عمار بن ياسر إلى أهل الكوفة يستنفرهم للقتال فانضم منهم الكثير إلى جيش علي. انتهت المعركة بمقتل طلحة والزبير وانتصار علي، وعودة عائشة إلى المدينة. ثم قام علي بعد معركة الجمل بنقل عاصمة الخلافة من المدينة إلى الكوفة نظرا لموقعها الاستراتيجي الذي يتوسط أراضي الدولة الإسلامية لكثرة مؤيديه هناك.

الأم: كان معاوية بن أبي سفيان والي الشام في عهد عثمان قد امتنع عن تقديم البيعة لعلي، وطالب بالثأر لابن عمه عثمان. وحين انتهى علي من معركة الجمل وتوجه إلى الكوفة أرسل جرير بن عبد الله إلى معاوية يدعوه للمبايعة والطاعة لكن معاوية رفض المبايعة إلا بعد الاقتصاص من قتلة عثمان. فتوجه علي بجيشه إلى الشام وعسكر الجيشان حين التقيا بموقع يسمى صفين، ثم بدأت مفاوضات بين الطرفين عبر الرسائل، واستمرت لمدة مائة يوم لكنها لم تأت بنتيجة، فبدأت مناوشات بين الجيشين أسفرت عن قتال استمر لمدة أسبوع فيما يعرف بمعركة صفين. بدا جيش علي على مشارف الانتصار وجيش معاوية على وشك الهزيمة، فاقترح عمرو بن العاص وكان في جيش معاوية عمل حيلة وهي أن يقوم الجنود برفع المصاحف على أسنة الرماح، مطالبين بالتحكيم وفقا للشريعة الإسلامية.

الأب: شعر علي بالخديعة وحذّر المسلمين منها. إلا أن جماعة ممن صاروا فيما بعد من الخوارج أصروا على القبول بالتحكيم وهددوه بالقتل ووافق بعد إلحاح منهم، وعندما أرادوا حكما اختاروا أبي موسى الأشعري لكن علي رفضه لعدم ثقته به وتخليه عنه فيما سبق ورشح الأشتر النخعي إلا أنهم رفضوه واستقر الأمر على الأشعري. واختار معاوية عمرو بن العاص حكما من طرفه وكان الحكم من طرف علي هو أبو موسى الأشعري، واجتمع الحكمان لإيجاد حل للنزاع، فدار بينهما جدال طويل، واتفقا في النهاية على خلع معاوية وعلي وترك الأمر للمسلمين لاختيار خليفة غيرهما، فخرج الحكمان للناس لإعلان النتيجة التي توصلا إليها، فأعلن أبو موسى الأشعري خلع علي ومعاوية، فقام عمرو بن العاص وقال: "إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه. وأثبت صاحبي معاوية" فقال له أبو موسى الأشعري: "غدرت وفجرت" ودار عِراك بينهم. زكانت الفتنة الكبرى التي شقت المسلمين الى عدة فرق.

الأم: كانت الفترة التي حكم فيها علي مليئة بالمنجزات المدنية والحضارية منها تنظيم الشرطة وإنشاء مراكز متخصصة لخدمة العامة كدار المظالم ومربد الضوال وبناء السجون. وكان يدير حكمه انطلاقا من دار الإمارة، كما ازدهرت الكوفة في عهده وبنيت بها مدارس الفقه والنحو وقد أمر الإمام علي بن أبي طالب أبا الأسود الدؤلي بتشكيل حروف القرآن لأول مرة. ويعتقد بعض الباحثين أنه أول من سك الدرهم الإسلامي الخالص. وقيل أنه كان متمسكا بتعاليم دينه بشدة وغير مستعد للتنازل عن مبادئه من أجل المنفعة السياسية.

الأب: كان علي يؤم المسلمين في صلاة الفجر في مسجد الكوفة، و في أثناء الصلاة ضربه عبد الرحمن بن ملجم بسيف مسموم على رأسه، فقال علي جملته الشهيرة: "فزت ورب الكعبة". ثم حمل على الأكتاف إلى بيته وجيء له بالأطباء الذين عجزوا عن معالجته فلما علم علي أنه ميت قام بكتابة وصيته كما ورد في مقاتل الطالبيين. وظل السم يسري بجسده إلى أن توفي بعدها بثلاثة أيام، وبعد مماته تولى عبد الله بن جعفر والحسن والحسين غسل جثمانه وتجهيزه ودفنه، ثم اقتصوا من ابن ملجم بقتله. وظل مدفن علي مجهولا إلى أن أفصح عن مكانه جعفر الصادق في وقت لاحق خلال الخلافة العباسية.

الأم: رحل علي بن أبي طالب تاركا خلفه الفتنة مشتعلة بين المسلمين، واستلم الخلافة من بعده ابنه الحسن بن علي وبايعه الناس في الكوفة، واستمرت خلافته ستة أشهر، وقيل ثمانية، وانتهت خلافته فيما عرف بعام الجماعة بصلح الحسن مع معاوية وتنازله عن الحكم حقنا لدماء المسلمين، ويقال أن قبوله للصلح يرجع لضعف موقفه حيث استطاع معاوية بسط نفوذه على الشام ومصر وكانت جيوش الحسن ضعفت بعد قتال الخوارج. وبعد وفاة الحسن ثم معاوية أعلن الحسين ثورته ضد يزيد بن معاوية، وقتل في معركة كربلاء في مواجهة جيش يزيد.

الأب: علي بن ابي طالب هو أحد العشرة المبشرين بالجنة والخليفة الراشد الرابع للمسلمين ومن آل بيت الرسول. وغالبية المسلمين أجمعوا على فضله ومكانته. كما تعتقد أغلب فرق الصوفية بأن علي صحابي له مكانة دينية عظيمة، وإنه كان من أولياء الله الصالحين وكبير علماء الصوفية. وتعتقد الشيعة الزيدية أن علي بن أبي طالب أفضل أمة محمد بعد الرسول ثم تأتي فاطمة والحسن والحسين ومن بعدهم ذريتهما. وقد سميت الزيدية بهذا الاسم لاتباعهم زيد بن علي وهو من ذرية علي بن أبي طالب.

الأم: وبالنسبة لغير المسلمين فقد قال عنه الشاعر جبران خليل جبران: إن علي بن أبي طالب كلام الله الناطق، وقلب الله الواعي، نسبته إلى من عداه من الأصحاب شبه المعقول إلى المحسوس، وذاته من شدة الإقتراب ممسوس في ذات الله». وعُرف علي بن أبي طالب بعلمه الغزير سواء كانت علوم دينية أو دنيوية. فقد عرف ببراعته في الرياضيات وسرعته في حل المسائل الحسابية، كما ذُكر له وصف الذرة. وكان متمكنا من علوم اللغة كالنحو والبلاغة، ويقال أنه أول من صنف كتابا بالفقه. وكان يحث الناس على سؤاله حرصا منه على نشر العلم. وقال ميخائيل نعيمة : وأما فضائله فإنها قد بلغت من العظم والجلال والإنتشار والإشتهار مبلغاً يسمج معه التعرض لذكرها، والتصدي لتفصيلها، فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد الله بن يحيى بن خاقان ، وزير المتوكل والمعتمد: (رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر ، الذي لا يخفى على الناظر ، فأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز ، مقصر عن الغاية ، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ، ووكلت الإخبار عنك إلى علم الناس بك.

الابنة: يقال يا ابي ان الامام كرم الله وحهه قد خطب خطبتين واحدة لم يستعمل فيها حرف الالف وواحدة حروفها كلها غير منقطة؟!

الأب: هذا صحيح فالخطبة التي لم يكن في اي كلمة من كلماتها حرف الالف هي خطبة ارتجلها بعد ان تحداه بعض اصحابه جاء فيها: حَمِدْتُ مَنْ عَظُمَتْ مِنَّتُهُ ، وَسَبَغَتْ نِعْمَتُهُ ، وَسَبَقَتْ غَضَبَهُ رَحْمَتُهُ ، وَتَمَّتْ كَلِمَتُهُ ، وَنَفِذَتْ مَشيئَتُهُ ، وَبَلَغَتْ قَضِيَّتُهُ ، حَمِدْتُهُ حَمْدَ مُقِرٍّ بِرُبوُبِيَّتِهِ ، مُتَخَضِّعٍ لِعُبوُدِيَّتِهِ ، مُتَنَصِّلٍ مِنْ خَطيئَتِهِ ، مُتَفَرِّدٍ بِتَوْحيدِهِ ، مُؤَمِّلٍ مِنْهُ مَغْفِرَةً تُنْجيهِ ، يَوْمَ يُشْغَلُ عَنْ فَصيلَتِهِ وَبَنيهِ .، اما الخطبة التي استعمل فيها كلمات خلت حروفها من النقط فكانت في نصح اتباعه وجاء فيها: اِعْملُوا رَحمكُمْ اللهُ أَصْلَحَ الأَعْمَالِ ، وَاسْلُكُوا مَصالِحَ الْحَلاَلِ ، وَاطْرَحُوا الْحَرامَ وَدَعُوهُ ، وَاسْمَعُوا أَمْرَ اللهِ وَعُوهُ ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ وَرَاعُوها ، وَعَاصُوا الأَهْواءَ وَارْدَعُوها ، وصاهروا أهل الصلاح والورع ، وصارموا رهط اللهو والطمع ، ومصاهركم أطهر الأحرار مولداً ، وأسراهم سؤدداً ، وأحلامكم مورداً ، وها هو أمّكم وحل حرمكم مملكاً عروسكم المكرّمة ، وما مهر لها كما مهر رسول الله أم سلمه ، وهو أكرم صهر أودع الأولاد ، وملك ما أراد ، وما سهل مملكه ، ولا هم ولا وكس ملاحمه ولا وصم ، اسأل الله حكم أحماد وصاله ، ودوام إسعاده ، وأهلهم كلا إصلاح حاله ، والأعداد لمآله ومعاده ، وَلَهُ الْحَمْدُ السَّرْمَدُ ، وَالْمَدْحُ لِرَسُولِهِ أَحْمَدَ

الابن: الله ما هذه المقدرة يا أبي

الاب: كانت لديه مقدرة فائقة بالبلاغة والفصاحة ومعينا لا ينضب من مفردات اللغة.

الأم: كما كانت لديه ذاكرة تصويرية قوية يحفظ ما يُكتب او يُقرأ من مرة واحدة ولذلك كان للرسول ثقة كبيرة به لتدوين مل ينول اليه من وحي. فكان يصحح لباقي المدونين ويشرف عليهم باتقان تام وانتباه مطلق. وقد قيل انه لما نزلت الآية الكريمة ( وتعيها اذنٌ واعية) دعا رضي الله ربه ان تكون هذه الاذن الواعية له، فسمع الرسول صلى الله وسلم دعائه، فردد ورائه " اللهم اجعلها لعلي، اللهم اجعلها لعلي". وقيل انه منذ ذلك اليوم وعلي لا ينسى شيئا يقال او يكتب. والله اعلم!

الابن: الله اكبر ما هذا .... ذاكرة تصويرية؟  ألآن عرفت معنى أذن واعية!!

الأب: ويعد كتاب نهج البلاغة من أهم الكتب التي تحتوي على حكم وأقوال علي بن أبي طالب، وقد جمعه الشريف الرضي. وهو من اهم الكتب الفقهية والدينية والسياسية في الإسلام. وقد تم تأليف شروح وتعليقات على الكتاب من محتلف الكتّاب. وقد خطّ بيده ثلاثة مصاحف بخط يده ساعدت على جمع القرآن في مصحف واحد. وقد قال الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان: قول علي بن أبي طالب: "يا مالك، إن الناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، هذه العبارة يجب أن تعلَّق على كلّ المنظمات، وهي عبارة يجب أن تنشدها البشرية. وبعد أشهر اقترح عنان أن تكون هناك مداولة قانونية حول كتاب علي إلى مالك الأشتر. اللجنة القانونية في الأمم المتحدة، بعد مدارسات طويلة، طرحت هل هذا يرشح للتصويت؟ وقد مرّت عليه مراحل ثم رُشِّح للتصويت، وصوتت عليه الدول بأنه أحد مصادر التشريع الدولي.

الأم: يعد المسلمون علي بن أبي طالب أحد النماذج التي يحتذى بها في دينه وأخلاقه وتعاملاته ويتميز بالشجاعة والبلاغة بشكل أساسي كما يوجد الكثير من الأحاديث عن كرمه وزهده وعدله وغيرها من الصفات في المصادر الإسلامية. وتناولت العديد من الكتب حياة علي بن أبي طالب. وفي العصر الحديث هناك كتب عباس محمود العقاد ضمن سلسلة العبقريات الإسلامية عن عبقرية علي، وتناول في الكتاب نشأته وثقافته ونبوغه الأدبي في الشعر والفصاحة والبلاغة، كما تحدث عن حياته كخليفة ورجل سياسة، وسماه الشهيد أبا الشهداء. كما ألف الدكتور طه حسين كتاب الفتنة الكبرى بجزأين، وكان الجزء الثاني منه بعنوان "علي وبنوه" جاء فيه: «كان الفرق بين علي ومعاوية عظيماً في السيرة والسياسة، فقد كان علي مؤمناً بالخلافة ويرى أن من الحق عليه أن يقيم العدل بأوسع معانيه بين الناس، أما معاوية فإنه لا يجد في ذلك بأساً ولا جناحاً، فكان الطامعون يجدون عنده ما يريدون، وكان الزاهدون يجدون عند علي ما يحبون».

الأب: ومما قاله كميل بن زياد: أخذ عليّ رضي الله عنه بيدي فأخرجني إلى ناحية الجبان، فلمّا أصحر جلس ثمّ تنفس فقال: يا كميل، احفظ ما أقول لك،  العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل والمال يُنقصه النفقة، ومحبة العالم دين يدان بها باكتساب الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد موته وصنيعه، وصنيعة المال تزول بزوال صاحبه، مات خزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة،  لن تخلو الأرض من قائم لله بحجّة لئلا تبطل حجج الله وبيّناته، أولئك الأقلّون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، تلك أبدان أرواحها معلّقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في بلاده والدعاة إلى دينه.

الأم: نختم حديثنا عن علي بن ابي طال رضي الله عنه بما فاله جبرا خليل جبران عن شخصيته:
إن علياً لمَن عمالقة الفكر و الروح و البيان في كل زمان و مكان. وفي عقيدتي أن أبن أبي طالب كان أول عربي لازم الروح الكلية وحاورها وسامرها وهو أول عربي تناولت شفتاه صدى أغانيها على مسامع قوم لم يسمعوا بها من ذي قبل فتاهوا بين مناهج بلاغته وظلمات ماضيهم فمن أعجب بها كان اعجابه موثوقاً بالفطرة ومن خاصمه كان من أبناء الجاهلية. مات علي بن أبي طالب شهيد عظمته. مات والصلاة بين شفتيه. مات وفي قلبه شوق إلى ربه. إن علياً هو أول عربي بعد رسول الله محمد عرف الذات الأحدية ولم يفارقها في حبه، وإخلاصه، وصدق سريرته.
الأب: ومع امام المتقين سيدنا علي بن ابي طالب رضي الله عنه وارضاه نختم هذا الشهر الكريم وبسيرته ننتهي من سرد قصص الرسل والانبياء والتي اتبعناها بقصص الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وارضاهم اجمعين. وكل عام وانتم بحير.

سامي الشرقاوي

ليست هناك تعليقات: